رجالات أسفي

“صدى رجالات أسفي في التاريخ ” – الجزء الاول- من إعداد الأستاذ: منير الفيلالي البصكري

طوال تاريخ المغرب كله، كان دور مدينة أسفي فعالا ومساهمتها في مختلف المجالات معروفة.. وإن كنا نجهل حجم وطبيعة هذا الدور وتلك المساهمة خلال القرون الخمسة الهجرية الأولى، والتي كانت أكثر القرون غموضا في تاريخ المغرب على وجه العموم.. وباستثناء ما ذكره الفقيه محمد بن أحمد الكانوني في كتابه “أسفي وما إليه” فإن باقي المؤرخين لا يتوسعون بالشكل المطلوب في الكتابة عن تأريخ أسفي، بداية من الفتح الإسلامي… فعقبة بن نافع ترك جماعة من أهل العلم بغية نشر تعاليم الدين الإسلامي، وكان منهم شخص يدعى “شاكر” بنى رباطا ببلد “احمر” حوز أسفي، إضافة إلى العمل الكبير الذي قام به رجال رجراجة في القرون الأولى من الإسلام حيث كان لهم الفضل في توسيع دائرة نشر الدين الإسلامي وتعاليمه، ولا ننسى أن مدينة أسفي نالت في العهد المرابطي حظا وافرا من الاهتمام بالعلوم ومختلف المعارف نظرا لقربها من مدينة مراكش عاصمة المرابطين.. أما في العهد الموحدي، فالتاريخ يذكر لنا ما عرفته أسفي من حضارة وتمدن، حيث علا شأنها، وسما ذكرها، فحظيت باهتمام الدولة الموحدية التي سورت المدينة. كما بنت بها المعاهد العلمية والدينية، مما ساعد على نبوغ غير قليل من رجالاتها، وفي طليعتهم آنذاك الشيخ أبو محمد صالح الماجري المتوفى سنة 631، بالإضافة إلى أبنائه وتلاميذه، ونذكر منهم علي بن مسعود الرجراجي صاحب كتاب “منهاج التحصيل فيما للأئمة على المدونة من التأويل” . كما نذكر حفيده أبا العباس أحمد بن ابراهيم صاحب كتاب “المنهاج الواضح في تحقيق كرامات الشيخ أبي محمد صالح”.. ولا ننسى ما نالته أسفي من حظ مهم في العهد المريني، حيث تقدمت العلوم وعرفت المدينة نهضة مواكبة لمختلف المجالات، فبلغت بذلك أوجها من التحضر، وأسست بها المدرسة والمستشفى، وهما عنوان الرقي في ذلك الحين.. مما جعل ابن خلدون يطلق عليها “حاضرة البحر المحيط”. وفي هذه الفترة نبغ غير قليل من رجالاتها نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: – محمد بن سعيد الهنا في مؤلف كتاب:”معتمد الناجب في إيضاح مبهمات بن الحاجب”،وكتاب”كنز الأسرار لمواقع الأفكار”. – موسى بن أبي علي الزناني صاحب كتاب: “شرح الموطأ والمدونة والمولد النبوي”.- عبد الله بن أحمد بن معاوية صاحب كتاب:”إيضاح اللبس والخفا عن ألفاظ الشفا”.- حسن بن طلحة الرجراجي صاحب كتاب: “الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة “، وكتاب:” تنبيه العطشان على مورد الظمآن في رسم القرآن”. ثم كتاب: “رفع النقاب عن تنقيح الشهاب”.إلى غير ذلك من أسماء الرجال الذين برزوا بعلومهم ومعارفهم في ذلك الحين، وكانت لهم مساهمات علمية قيمة، إضافة إلى ما عرف عنهم من سلوك فاضل وخلق نبيل وتواضع جم، فكانوا مثالا للنبل وللمكارم وللقيم المثلى.. وبذلك ترك هؤلاء الرجال صدى كبيرا في نفوس كل من كان به السهم ويجايلهم ويستمتع بعطاءاتهم العلمية. وللتذكير، نجد الفقيه الكانوني في كتابه، “أسفي وما إليه قديما وحديثا”ينوه بأهل هذه المدينة ويصفهم بالكرم والجود والأدب والخلق الحسن، مستشهدا ببعض أشعار من زار أسفي وشهد لأهلها بجملة من الأوصاف الحسنة على حد قول أبي حفص عمر بن عبد الله الفاسي: لله دركم بني أسفــــــيــي فنزيـلكم يشفى من الأسـف أخلاقكم كالعطر في نفس ووجوهكم كالبدر في شرف أو قول محمد بن طاهر الهواري: أهلا بأهل أسفــــي من كل خـل منصـــف أكرم بهم من معشــر حازوا الجمال اليوسفــي سادوا الأنام كرمـــا فـمثـلهـم فـلتعـــــرف إن جئتهم نلت المنــى مـن غيـر ما تعـــرف أو انتجعت جودهـــم فلك ما لم يوصـــــف بلدتهــم طيبــــة تقضي بنفي الأســــف أو قول الوزير بن إدريس: إن لم تعاشر أناسا خيموا أسفي فقل على عمر قد ضاع واأسفي.. تلك كانت حال أهل أسفي، خلق نبيل، وعطاء مستمر، سخروا أنفسهم للعمل الصالح، ولنشر القيم الفاضلة، وتيسير السبل، وهو أمر جسده الذين جاءوا بعدهم على الرغم مما أصاب مدينة أسفي، خاصة في عهد الوطاسيين، حيث ضعفت الدولة واستولى البرتغاليون على المدينة، وعاشوا فيها فسادا على مرآى ومسمع من أهلها، فانطمست معالم الحضارة التي ظهرت من قبل، فلم يبق بالمدينة أثر للعلوم والمعارف.. إلى أن قيض الله تعالى للمغرب مجيء الدولة السعدية، إذ في عهدها تحررت مدينة أسفي من يد الاستعمار البرتغالي، فانبعثت من جديد، وتحققت بها نهضة دينية وعلمية؛ وذلك على يد نخبة من رجالاتها الذين أعادوا لها الروح من جديد، من خلال ما أبانوا عنه من تمكن علمي، وتبريز معرفي، رفعوا به لواء العلم في المدينة، فشرف أهلها بما حظوا به من مشاركات علمية رصينة.. نذكر من هؤلاء مثلا: – العلامة أحمد بن عبد الرحمان الأسفي. – العلامة أحمد بن سليمان الشيظمي أحد شعراء المنصور. –الفقيه علي إبراهيم الأسفي المتوفى سنة 1053هـ. –الخطيب الإمام إبراهيم بن محمد بن أبي موسى المتوفى سنة 1071هـ. ولولا ما أصاب البلاد – بعد موت المنصور – من تنازع بين أولاده على الحكم، وكثرة الفتن والاضطرابات، لكان لمدينة أسفي شان كبير في عهد السعديين، ويشاء الله تعالى أن يجمع شتات هذه البلاد ويوحد أطرافها، ويقوي مكانتها، ويدعم وحدتها، يتعلق الأمر بالدولة العلوية التي هي استمرار لعهد الأشراف الذي بدأ مع السعديين في النصف الأول من القرن السادس عشر، وهذا حسب وجهة نظر غير قليل من المؤرخين.. على الرغم من الفوارق المعروفة بينهما. فالدولة السعدية قامت لتقضي على دولة الوطاسيين المتخاذلة، وتواجه العدوان البرتغالي على الشواطئ الغربية بتكليف من بعض الزوايا الجزولية المنبثة في الجنوب المغربي، ومنها ثغر أسفي، فهي إذن دولة قامت لتنفيذ برنامج محدد اتفقت عليه الزوايا في إطار الدعوة للجهاد وتصحيح الكيان السياسي. لكن حين دب الخلاف وتعددت الزعامات والكيانات السياسية، برزت الدولة العلوية للوجود، وكانت مند بدايتها، ترتكز على العمل والعطاء الشخصي، مما خول لها أن تصبح مصدر قوة للمغاربة. وهكذا عادت لمدينة أسفي نهضتها العلمية، حيث لقيت تشجيعا كبيرا من طرف ملوك الدولة العلوية الشريفة، كما أن الأمراء والقواد كانوا يتسابقون نحو بناء المعاهد العلمية والقرآنية، ويفتخرون بما أنجزوا بغية أن ينالوا الإجلال والتقدير من طرف الدولة والسكان. ففي عهد السلطان المولى إسماعيل، أنشئت بالمدينة عدة مدارس وخزانات المكتب وغير ذلك من الوسائل التي ترغب في طلب العلم والاستزادة منه. وقد نبغ في عهد الدولة العلوية من رجالات هذه المدينة العلماء: –عبد الله بن ساسي الأسفي صاحب كتاب: “الكوكب اللامع في العمل بدوائر المطالع”. –الطيب عبد الله بن ساسي، مؤلف كتاب: “رياض الأزهار في علم وقت الليل والنهار”. –محمد بن عبد العزيز الأسفي صاحب كتاب:” إرشاد السائل إلى معرفة القبيلة بالدلائل”. –أبو حفص عمر بن مبارك الزبدة صاحب كتاب: “الكوكب الساني في النسب الكتاني”. –التهامي الفاروقي مؤلف كتاب: “الأقمار في مناقب الأخبار”.[1] –أحمد بن علي الصويري الأسفي،” شارح الهمزية والبردة”. –محمد بن أحمد التريكي صاحب كتاب: “إرشاد النبيه إلى معاني التنبية”. وهكذا، ظلت مدينة أسفي لعقود طويلة مجالا رحبا للعلم والثقافة، فكانت تلك ميزتها البارزة وشعارها بين باقي المدن المغربية كفاس ومراكش وتطوان وغيرها..وهذه حقيقة يقتضيها الوفاء لهذه المدينة التي طالما قدمت للثقافة والحضارة أجل الخدمات.. لكنها اليوم، وعلى الرغم من وجود الجامعة والمدارس العلمية والعليا، تفتقر لوجود العمل العلمي والثقافي، كما تنقصها غيرة أبنائها ممن استطاعوا أن يصلوا بتكوينهم الجيد وبخبراتهم العلمية والفكرية إلى أوج العطاء، دون أن تستفيد المدينة منهم، ليترك الحبل على الغارب. وعلى هؤلاء وغيرهم أن يدركوا أن مدينة أسفي لها الكثير من المزايا البشرية والجغرافية والتاريخية والاقتصادية، أهلتها عبر العصور لتصبح مركز علم وحضارة شأنها في ذلك شان غير قليل من المدن المغربية. وقد أبدع الوزير الأديب لسان الدين بن الخطيب السلماني فيما قاله عن أسفي حين زيارته لها، وذلك في كتابه: “معيار الاختيار”..” أسفي، لطف خفي، ووعد وفي، ودين ظاهره مالكي وباطنه حنفي، الدماثة والجمال، والسذاجة والجلال، قليلة الأحزان، صابرة على الاختزان، وافية المكيال والميزان، رافعة للداء بصحة الهواء، بلد موصوف برفيع ثياب الصوف، وبه تربة الشيخ أبي محمد صالح، وهو خاتمة المراحل لمسورات ذلك الساحل، لكن ماءه قليل وعزيزه لعادية من بواليه الأعراب ذليل…” وفي كتابه:” نفاظة الجراب فيمن جمعني وإياه الاغتراب” يقول ابن الخطيب عن أسفي:” وهذا البلد فسيح بطيب الهواء، كريم التربة، خصيب الجناب، وأهله أولوا خيرة وجنوح إلى الصلاح، وهو لبنة التمام للمسورات بالمغرب، ليس وراءه مدينة جامعة ولا محلة مسور؛ ودونه أمم تتصل بالسوس الأقصى إلى تخوم الحبشة من وراء الصحراء..”. إننا نعرف أن أسفي قد مرت مند الفتح الإسلامي بحقب من الاضطراب السياسي،حيث لم يتمكن أهلها والطارئون عليها من التفرغ لإحداث الازدهار العلمي والفكري، وهذا – على حد ما نعلم- كان هو حال المغرب عموما.. لكن المدينة في الفترات اللاحقة ومن خلال ما ألمعنا إليه سابقا، ستعرف حركة علمية مزدهرة أهلتها لتكون ضمن المدن المغربية ذات الصيت المحمود في مجال العلم والثقافة. ولعل القدر من تراجم الرجال ممن سنأتي بحول الله على ذكرهم في هذه المقالات، كان لإعطاء القارئ الكريم صورة عن الحركة العلمية بأسفي، وهي حركة تبرز حقيقتين اثنتين: أولهما: أن رجالات أسفي من العلماء أخذوا – ومنذ وقت مبكر- في ربط الصلات العلمية بين مدينتهم وباقي الحواضر المغربية الأخرى، خاصة مراكش وفاس، وهي صلات يطبعها الأخذ والتلقي والعطاء من خلال مصاحبة رجال العلم للرواية عنهم أو التدريس والإقراء وما شابه ذلك. ثانيهما: تبريز رجالات أسفي في غير مجال واحد من مجالات العلم. بعد ان نهلوا من أعلام وقتهم وأفادوا من علومهم، وهذا الأمر، كان من أسباب الحضور القوي الذي عرفته المدينة في حقل العلوم والآداب مند منتصف القرن الخامس الهجري، أي مع ظهور المرابطين، حيث نشطت معاهدها العلمية، واتسعت خزانات الكتب بها، واشتدت رغبة رجالها إلى الاستزادة من طلب العلم. وقد ذكر الفقيه الكانوني رحمه الله، أسماء هؤلاء الرجال وتراجمهم وأسماء شيوخهم ومؤلفاتهم، وبين مكانتهم العلمية، وبذلك تكون مدينة أسفي قد أسهمت بقدر كاف في تقديم خدمات جليلة لهذا الوطن خاصة في المجال العلمي والثقافي، كما عمل رجالها الأبرار على ربط الصلات العلمية بين باقي المدن المغربية المجاورة منها أو البعيدة ، بغية الحفاظ على الوحدة الروحية والفكرية، مما جعلها تتبوأ المكانة اللائقة بها بين حواضر المغرب. وما كان لهؤلاء الرجال أن يحظوا بهذه المكانة لولا ما وجدوه في الدولة الحاكمة، ولاسيما في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين من تشجيع لهم على الانتفاع والتواصل والتبادل ، فكان رجال العلم خير وسيلة لتوثيق صلات مدينتهم بمختلف المدن المغربية. نستهل الحديث عن رجالات أسفي عبر التاريخ بما ورد في كتاب الفقيه أحمد الكانوني، “جواهر الكمال في تراجم الرجال”… فالمتصفح لهذا الكتاب، يلاحظ أن المؤلف وفضلا عما قدمه من تراجم، فهو يضيف معلومات كثيرة عمن ترجم لهم. بل يذكر بيئاتهم وبلدانهم ومن عاش في هذه البلدان خصوصا مدينة أسفي، من ساسة ورجال حكم، أمراء أو قضاة؛ ومن رجال معرفة وثقافة، فقهاء أو علماء أو أطباء… كل ذلك جمعه هذا الكتاب، بحيث تتناسق ترجماته وتلتئم أخباره. نحن إذن إزاء كتاب مهم يقدم فوائد محققة في تاريخ مدينة أسفي، لا من حيث الترجمة لرجالاته فحسب، بل أيضا من حيث تصور الحركات العلمية في أسفي وما جاورها. وفي الكتاب نجد ذكرا لبعض السلاطين، كالسلطان أبي الحسن المريني، وولده أبي عنان، وكالسلطان أبي الربيع المولى سليمان بن محمد العلوي. والسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان العلوي وغيرهم… ونجد حول هؤلاء من الأشراف: أبا العباس احمد بن أبي محمد صالح، وأبا العباس احمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي محمد صالح وغيرهما. ومن القضاة نجد أبا العباس احمد بن مولود القاسمي، والسيد محمد بن سليمان، والسيد أحمد بن يعيش الخلفي العامري المدعو الخليفة أبو العباس .. وغير هؤلاء كثير… ومن العلماء يذكر المؤلف: السيد أحمد بن اسعيد البحير أبو العباس،والسيد أحمد بن بوشعيب بن زروق العامري.. إلى غير ذلك من العلماء والفقهاء الذين تعج بهم صفات الكتاب المذكور، أضف إلى هذا ما ذكره من أسماء الشعراء كالأديب السيد عبد الله بن أبي بكر بن علي الناصري، والشاعر أحمد بن حسين بن علي أبوا العباس الشهير بابن الخطيب، وعبد الله محمد بن عبد العزيز الأندلسي المدعو بابن عزوز، وكذا الشاعر أبو الخطيب أبو حفص الفاسي ، وابن طاهر الهواري، وقس على ذلك من الشعراء الذين استشهد بأشعارهم في ثنايا كتابه. وبذلك، نستطيع أن نعرف كل ما كانت تموج به مدينة أسفي عبر العصور من علماء وقضاة وشعراء وغيرهم، نضيف إلى هذا، ذلك الركام من الأخبار والأشعار يسوق بعضه بعضا، كأننا أمام سيل لنهر كبير.. وليس هذا النهر إلا كتاب: “جواهر الكمال في تراجم الرجال”. إن الكانوني في كتابه هذا، لم يلتزم بمنهج أصحاب رجال الحديث مثلا، ممن أرخوا للرجال، كالخطيب البغدادي، وابن النجار البغدادي، حيث لم يراع الاسم الثاني أو الثالث، إذا تشابهت أوائل الأسماء. فقد جعل أوائل الأسماء واحدة، إلى أن تنتهي. نجد مثلا لمن يترجم له أن يسمى بأحمد وابراهيم وادريس واسماعيل، ثم يورد قسما من الكنى الواقعة أسماء كأبي شعيب وأبي موسى وأبي يعزى وأبي جمعة وأبي الذهب… وهذا ربما مما لا نجده عند أصحاب كتب الرجال كما ألمحنا إلى ذلك سابقا. فابن النجار مثلا نراه يلتزم بترتيب المترجمين وفق اسمهم الأول، ويراعي عند التشابه الاسم الثاني ثم الثالث، أي إذا تشابه اسم المترجم مع غيره، قدم من كان اسم أبيه يبدأ بحرف متقدم، فإذا تشابه الأبوان أيضا قدم من كان اسم جده يبدأ بحرف متقدم وهكذا… فإذا تشابهت الأسماء الثلاثة للمترجم مع غيره، راعى قدم الوفاة، فقدم السابق وأعقبه باللاحق. كما أن المؤلف حاول أن يتشبه بأصحاب كتب الأمالي، وبالجاحظ، في حين أن كتابه تراجم لا غير.. نراه مثلا بعد أن ترجم للقاضي أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز الأندلسي، المدعو بابن عزوز، أورد له مقطعا من الشعر يمتدح فيه جماعة من الفقهاء الواردين على أسفي. يقول هذا الشاعر: يا مرحبا بالمنصـف الماجد الخيل الصفـــي إلى أن يقول: فمنذ وافيت أســفـي أميط عنا أسفــــــي لا سيما إذ معــــكــم لؤلؤة فـي صــــدف نجل الهمام المرتضى سبط الإمام اليوسفـــي وقد أجابه أحدهم بقوله: لله دركم بني أسفــــــــــــي فنزيلكم يشفى من الأسـف حان الرحيل بعيد ما علقت نفسي بوصلكم فيا أسفـي أخلاقكم كالعطر في نفـس ووجوهكم كالبدر في شرف ثم قام آخر، وهو الأديب ابن طاهر الهواري وأنشد: أهلا بأهـل أسفــــي من كل خـل منصـــف أكرم من معشـــــر حازوا الجمال اليوسفـــي سادوا الأنام كرمــــا فمثلهــم فلتعــــرف.. إلى غير ذلك من القصائد الشعرية المبثوثة في ثنايا الكتاب. هكذا، نجد المؤلف الفقيه الكانوني يترجم لأكثر من مائة وثلاثين رجلا، الأمر الذي يدفع الباحث إلى تصنيف الكتاب ضمن كتب التراجم والسير، شأنه شأن ابن قتيبة في” الشعر والشعراء” وابن المعتز في “طبقات الشعراء” والآمدي في “المؤتلف والمختلف” وابن الجراح في” الورقة”. وعلى كثرة التراجم التي تضمنها كتاب:” جواهر الكمال في تراجم الرجال”، إلا أننا نرى أن يصنف ضمن كتب التراجم، لاسيما أن تراجم الكانوني لرجال أسفي لم تقم على منهج معين، ولكنها جاءت في معرض ألاستطراد واهتمت بجوانب معينة من حياة أولئك الذين ترجم لهم. ولو جاز لأحد أن يصنف هذا الكتاب ضمن كتب التراجم اعتمادا على كثرتها وحسب، لجاز لأصحاب النظر التاريخي أن يصنفوه ضمن كتب التاريخ اعتمادا على كثرة الأخبار والأحداث التاريخية التي وردت في الكتاب عن أسفي ورجالاته. إن الكانوني في ترجمته لرجال أسفي، يعتمد النهج التالي.. ونأخذ على سبيل المثال، أبا العباس أحمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم التناني الوعزوزي المدعو الصويري، فهذه الترجمة تنحل إلى الأجزاء التالية: 1- اسم المترجم ونسبه ونسبته . 2- روايته (أي شيوخه). 3- من روى عنه (أي تلاميذه). 4- حيثيثه وثقافته . 5- تآلفيه وهذه الترجمة من أصل التراجم العادية عند غير الكانوني، ونضيف إلى ذلك، التراجم القصيرة في كتابه، والتي تخلو في بعض الأحيان من تاريخ الميلاد والوفاة ومكانهما، وكمثال على ذلك المدعو الخراص إذ نجد الكانوني قد سلك ما يسمى بالمنهج الإقليمي في واقع التراث المغربي، ولهذا المنهج أهميته، لأنه يعرفنا على الثقافة المغربية في كل أبعادها وتجلياتها المحلية والوطنية.. كما يعرفنا على غير قليل من أسماء الرجال الذين كان لهم دور مهم أثناء فترات حياتهم التي عاشوها في عصورهم المختلفة.. فقد استطاع الفقيه الكانوني رسم كل الخطوط العريضة التي يرتكز عليها تراثنا المغربي وألوانه المتنوعة، وكاد أن يجسمها تجسيما عن طريق التراجم الكثيرة التي حشدها في كتابه:”جواهر الكمال في تراجم الرجال”.. وكثير من هذه التراجم كان مجهولا، وكثير منها كان المعروف عنه قليلا، وهذا كله يهيئ مادة وافرة لتاريخ أسفي تأريخا علميا دقيقا…